عبد الملك الجويني

459

نهاية المطلب في دراية المذهب

غيرهما ، مما يتمكن فيه الإنسان من وضعه حيث يشاء ، وفي هذا احتراز عن السهم ؛ فإنه غير موثوق به ، وإن كان لا يتأتى قصد الكافر إلا بإصابة المسلم ، فلا يحل إصابة المسلم ، وإن كان الغرض مَنْ وراءه . هذا إذا كان المتّرِس غيرَ مقاتل . وإن كان يقاتل وراء المسلم الذي يتّرس به ، وعلم الواقف من المسلمين بإزائه أنه لو لم يقصد الترس ، لزحف إليه الكافر ، وأهلكه ، فلا يحل - مع هذا التصوير - إصابةُ المسلم ، والغايةُ المحذورة أن يقتل الكافر المسلمَ ، وخوفُ الإنسان على نفسه لا يسلّط على قتل مسلم غيرِ جانٍ ؛ ولهذا يحرم على المكرَه على القتل أن يقتل ، فلو قَتَلَ في حالة [ الترس كما ] ( 1 ) صورنا ، باء بالإثم . والأصح أن في استيجابه القصاص قولين ، كالقولين المذكورين في المكرَه ، ففي أصحابنا من قال : يجب القصاص على الذي قتل المسلم [ الذي ] ( 2 ) يتّرس الكافر به قولاً واحداً ، لأن فعل الكافر محطوط مرفوع من البَيْن ؛ من جهة أن الخطاب منقطع عنه ، فكان قتلُ المسلمِ المسلمَ مع ظهور الخوف بمثابة قتل المضطر مسلماً ليأكله ؛ فإن السبب منحصر في القتل . والأصح طريقة القولين ، ومن قطع بوجوب القصاص ؛ فإنه يقول لا محالة : لو أكره حربيٌّ مسلماً على قتل مسلم يجب القصاص على المكرَه قولاً واحداً ، وهذا بعيدٌ لا أصل له ، ولا تعويل عليه . 11345 - وتمام البيان في هذا يتعلّق بشيء ذكره العراقيون وذلك أنهم قالوا : التترس بالمسلمين إذا لم يكن عند التقاء الزحفين ، فالتفصيل فيه كما ذكرناه ، والصفوف قارّة في مقارّها ، فأما إذا التف الصف بالصف ، فتترس الكفار بأسرى المسلمين ، وكان لا يتأتى مقاومة الكفار ما لم نُصب أسرى المسلمين ، ففي جواز الإصابة منهم وجهان ، ذكرهما العراقيون ، وهذا يحتاج في تصويره إلى مزيد كشف ، فما ذكروه فيه إذا كان الانكفاف عن الأسرى يُفضي إلى أن يُصطلم جند الإسلام ، ثم يختل بانفلالهم ركنٌ عظيم ، فهذا يتعلق بأمرٍ كلي ، ولا يبعد أن نُجري الأمر في

--> ( 1 ) في الأصل : " الضرورة بعدما " . ( 2 ) سقطت من الأصل .